عمر السهروردي
48
عوارف المعارف
قال أبو يزيد رحمه اللّه يوما لأصحابه : بقيت البارحة إلى الصباح أجهد أن أقول لا إله إلا اللّه ما قدرت عليه . قيل ولم ذلك ؟ قال : ذكرت كلمة قلتها في صباى فجاءتنى وحشة تلك الكلمة فمنعتنى عن ذلك ، وأعجب ممن يذكر اللّه تعالى وهو متصف بشئ من صفاته . فبصفاء التقوى وكمال الزهادة يصير العبد راسخا في العلم . قال الواسطي : الراسخون في العلم هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب في سر السر فعرفهم ما عرفهم ، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات ، فانكشف لهم من مدخور الخزائن ما تحت كل حرف من الكلام من الفهم وعجائب الخطاب ، فنطقوا بالحكم . وقال بعضهم : الراسخ من اطلع على محل المراد من الخطاب . وقال الخراز : هم الذين كملوا في جميع العلوم وعرفوها ، وأطلعوا على همم الخلائق كلهم أجمعين . وهذا القول من أبي سعيد لا يعنى به أن الراسخ في العلم ينبغي أن يقف على جزئيات العلوم ويكمل فيها ، فإن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كان من الراسخين في العلم ووقف في معنى قوله تعالى : وَفاكِهَةً وَأَبًّا « 1 » ، وقال ما الأب ؟ ثم قال : إن هذا إلا تكلف . ونقل أن هذا الوقوف في معنى الأب كان من أبى بكر رضى اللّه تعالى عنه وإنما عنى بذلك أبو سعيد ما يفسر أول كلامه بآخره وهو قوله : أطلعوا على همم الخلائق كلهم ، لأن المتقى حق التقوى ، والزاهد حق الزهادة في الدنيا . صفا باطنه ، وانجلت مرآه قلبه ، ووقعت له محاذاة بشئ من اللوح المحفوظ ، فأدرك بصفاء الباطن أمهات العلوم ، وأصولها .
--> ( 1 ) سورة عبس : الآية 31 .